البغوي

214

شرح السنة

بعث بِالسَّيْفِ ؟ قيل : هُوَ مَبْعُوث بِالرَّحْمَةِ كَمَا ذكر ، وكما أخبر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَذَلِكَ أَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بعث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام ، وأيدهم بالمعجزات ، فَمن أنكر من تِلْكَ الْأُمَم الْحق بعد الْحجَّة والمعجزة عذبُوا بِالْهَلَاكِ والاستئصال ، وَلَكِن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمر نبيه عَلَيْهِ السَّلَام بِالْجِهَادِ مَعَهم بِالسَّيْفِ ، ليرتدعوا عَن الْكفْر ، وَلم يجتاحوا بِالسَّيْفِ ، فَإِن للسيف بَقِيَّة ، وَلَيْسَ مَعَ الْعَذَاب الْمنزل بَقِيَّة ، وَقد رُوِيَ أَن قوما من الْعَرَب ، قَالُوا : يَا رَسُول الله ، أفنانا السَّيْف ، فقَالَ : « ذَلِك أبقى لآخرتكم » ، فَهَذَا معنى الرَّحْمَة الْمَبْعُوث بهَا ذكره الْخطابِيّ . قلت : وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك حَدِيث عَائِشَة : إِن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بعث إِلَيْهِ ملك الْجبَال ، فقَالَ : إِن شِئْت أَن أطبق عَلَيْهِم الأخشبين ، فقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « بل أَرْجُو أَن يخرج الله من أصلابهم من يعَبْد اللَّهِ وَحده لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا » . قلت : هُوَ مَبْعُوث بِالرَّحْمَةِ أَيْضا ، من حَيْثُ إِن الله وضع فِي شَرِيعَته عَن أمته مَا كَانَ فِي شرائع الْأُمَم السالفة عَلَيْهِم من الآصار والأغلال ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابه فِي قصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام : { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } [ الْأَعْرَاف : 156 ] إِلَى قَوْله : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } [ الْأَعْرَاف : 157 ] وَأعْطى أمته فِي الْأَعْمَار القصيرة على الْأَعْمَال الْيَسِيرَة ضعف مَا أعْطى الْأُمَم الْمَاضِيَة فِي الْأَعْمَار الطَّوِيلَة على الْأَعْمَال الْكَثِيرَة الثَّقِيلَة ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث